اسماعيل بن محمد القونوي
198
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
داخلة في مفهوم التوبة وإنما ذكرها فيما سلف لوعده الإحسان للتائب لأنه ذكر لفظة على لتعلقها بالتفضل والتعطف دون تاب يقتضي اعتبار الرحمة وفي قوله الرجوع من العقوبة إشارة لطيفة إلى أن المغفرة أصل مرجوع إليها والعقوبة بمقتضى المعصية والوعيد وفي هذا المعنى أيضا المعنى اللغوي للتوبة متحقق فيكون من قبيل نقل العام إلى الخاص وأما التوفيق للتوبة فليس من أفراد المعنى اللغوي لها ولذا لم يذكره هنا مع إشارته إليه فيما مر كما عرفت فاستعماله في هذا التوفيق مجاز بعلاقة اللزوم ومن قبيل نقل اللفظ من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي وهذا هو الظاهر . قوله : ( المبالغ في الرحمة ) كما أو كيفا المبالغة منفهمة من صيغة المبالغة مثل التواب ( وفي الجمع بين الوصفين وعد للتائب ) . قوله : ( بالإحسان ) وعن هذا قال فيما سلف رجع عليه بالرحمة قوله ( مع العفو ) إشارة إلى أنه الأصل المتبوع إذ لو لاه لما رحمه وترك العطف تنبيها على أنهما أصلان على حيالهما . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 38 ] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) قوله : ( كرر له للتأكيد ) إذ التكرير للتأكيد من أنواع البلاغة ولكونه تأكيدا اختير الفصل والمعنى كرر القول بالأمر بالهبوط لتأكيد مقتضى الأمر ووجوبه فالتكرار في المحكي لا في الحكاية فقط وإنما قدم على هذا التأكيد فَتَلَقَّى آدَمُ [ البقرة : 37 ] الآية للاهتمام بصلاح حاله بعد امتثال أمره بالهبوط والإخبار بقبول توبته ولإزاحة ما عسى أن يتقوى به ما تشبث به الملائكة بأن آدم عليه السّلام تجاوز عن هفوته وزلته والقبح في إصرار الزلة والمعصية وأما التوبة النصوح بعد صدور الزلة والخطيئة فهي ممدوحة قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] فانظر كيف قدم التوابين فالحمد للّه رب العالمين على أن التقديم في تكرار الحكاية لا في تكرير المحكي فلا إشكال أصلا وإن لوحظ زيادة قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ [ البقرة : 38 ] على هذا المؤكد فحسن التقديم في الذروة العليا . قوله : ( أو لاختلاف المقصود ) فترك العطف حينئذ لتباين الغرضين ( فإن الأول دل قوله : وعد للتائب بالإحسان مع العفو الإحسان مدلول الرحيم لأن معناه المنعم المبالغ في إحسانه والعفو مدلول التواب المبالغ في الرجوع عن ذنب عبده : بس كجا نالد كجان أرد لئيم * جون تو نتد لرى بجرينك أي كريم قوله : أو لاختلاف المقصود يعني كرر اهبطوا ليعلق عليه معنى آخر غير الأول اهتماما به وسمي هذا الأسلوب في علم البديع بالترديد قال بعض الأفاضل من شراح الكشاف قوله اهبطوا في هذا المقام يجوز أن يحمل على موضوعه الحقيقي وعلى غير موضوعه على سبيل الكناية لأن الكناية لا تنافي إرادة معنى الحقيقة أيضا فينزل على انحطاط بعد الرفعة مكانا ومرتبة أما المكان